هنري فورد و فوردلانديا

هنري فورد و فوردلانديا ، أي مدينة فورد، قصة وقعت في منتصف القرن الماضي، و تحديداً ما بين عامَيْ 1928 و 1945. قام فيها هنري فورد، المؤسس و صاحب العلامة التجارية لشركة فورد العالمية الأمريكية للسيارات، ببناء مدينة فورد (فوردلانديا) في الأمازون بالبرازيل. و على مدى 18 عاماً، أنفق الرجل، و الذي كان الأغنى في العالم في تلك الفترة، ما يقارب 20 مليون دولار أمريكي (تُعادِل تقريباً بزماننا نصف مليار دولار) لبناء المدينة التي تبلغ مساحتها 2.5 مليون فدان (حوالي ضعف مساحة مدينة صنعاء، عاصمة اليمن)، كما بالصورة الأولى أدناه. إلا أن ذلك التصميم و الإصرار كانت نتيجته الجحيم و البوار بانتهاء المشروع تماماً بنهاية العام 1945 و إعادة بيع الأراضي للحكومة البرازيلية بثمن بخس و بخسارة كبيرة جداً. هذا كله يدل على أهمية الحالات المختلفة في صناعة القرار، من تأكُّد و مخاطرة و عدم تأكد. نسلط الضوء على هذه القصة في نقاشنا للجزئَيْن الرابع (هيكل و تصميم المنظمات) و الخامس (عمليات المنظمات) في الكتاب الرابع (المنظمات – السلوك، الهيكل و العمليات 2012) و هو الأخير في برنامج العام الأول للكتب ضمن خدمة كتب الإدارة الإنجليزية العالمية الحديثة في قناتكم (الإدارة عن جدارة)، حيث شعارنا (بالإدارة تنال الصدارة). تم مناقشة أغلب مواضيع البابين في كتب سابقة، خاصة مواضيع التصميم و الهيكل التنظيمي (الكتاب الثالث بالقناة، نظرية المنظمات 2013) و التواصل و صناعة القرار (الكتاب الأول بالقناة، الإدارة 2015). و أحد الفصول (الثالث عشر: تصميم العمل) سيتم تناوله بالتفصيل حين نأخذ أحد الكتب المستقبلية بالقناة (إدارة الموارد البشرية 2013)، كما بالصورة الثانية أدناه أسفل الفيديوهات. نحب التذكير أننا قد عرَّفنا لهذا الكتاب الرابع و الأخير بالقناة من قبل، و انتهينا من مناقشة جميع أجزائه السابقة، علماً بأن لقاء اليوم يختم الكتاب بشكل كامل. للاطلاع على جميع اللقاءات الخاصة بالكتاب، الرجاء الذهاب هنا. للاطلاع على العرض المرفَق باللقاء، الرجاء الذهاب إلى الفيديو بقناتنا على اليوتيوب و النقر على الرابط المناسب في قسم الوصف أسفل الفيديو

التصميم و الإصرار طريق الجحيم و البوار
هنري فورد و مدينة فوردلانديا
هنري فورد و فوردلانديا مشروع عملاق في الأمازون بالبرازيل، حيث تبلغ مساحة المدينة 2.5 مليون فدَّان
مدينة فوردلانديا في الأمازون
الجزءان الرابع و الخامس من الكتاب الرابع (المنظمات، السلوك الهيكل و العمليات 2012)
الجزءان الخامس و السادس، كتاب المنظمات: السلوك، الهيكل و العمليات 2012

هنري فورد و فوردلانديا ، الأسباب و الدوافع

هنري فورد و فوردلانديا هي نتيجة فكر استثماري ربحي تجاري لصاحب علامة فورد التجارية. هذا الرجل هو المؤسس لنظام الإنتاج الكبير أو الكثيف أو نظام خط الإنتاج، حيث كانت مصانعه في الولايات المتحدة تنتج أكثر من 4000 سيارة في اليوم الواحد. و كان الرجل يتحكم بجميع المواد الأولية الداخلة في صناعة السيارات، ما عدا مادة واحدة و هي مادة اللبان أو المطاط الداخلة في صناعة إطارات السيارات بالشكل الرئيسي، و غيرها من القطع الأخرى الداخلة في صناعة السيارات، كما بالصورة أدناه. و تلك المادة كانت مُحتَكَرَة في يد البريطانيين و الذي كان لهم مزارع و مصانع للمطاط في منطقة الشرق الأقصى. و كان فورد يشتري هذا المادة بمبالغ طائلة. بالتالي، فكر الرجل في كيفية التخلص من هذا الاحتكار و التحكم في هذه المادة.

المطاط مادة أولية لصناعة إطارات السيارات كانت محتكرة عند البريطانيين أيام فورد
استخدام اللبان أو المطاط لصناعة إطارات السيارات

و بالتالي، قام بدراسة الموضوع و وجد أن منطقة الأمازون في البرازيل مناسبة جداً لزراعة و إنتاج المطاط. و عليه، قرر بناء هذه المدينة، مدينة فورد (فوردلانديا) في منطقة الأمازون بالبرازيل، و التي لا توجد فيها أي مقومات للحياة المدنية (الصورة الأولى أدناه). كان الرجل يعتقد أن هذا القرار يمثِّل حالة (تأكُّد) باعتبار وجود هدف واضح، و بدائل موجودة لتحقيق الهدف و المعلومات عنها متوفرة، و مخرجات هذه البدائل معروفة و مؤكدة. من بين البدائل التي كان ممكن الأخذ بها هو شراء مزرعة جاهزة، على سبيل المثال. إلا أن الكثير من الآراء حوله كانت ترى أن القرار يمثل حالة مخاطرة، باعتبار أن المخرجات المتوقَّعَة من البدائل، بما فيها بناء هذه المدينة، غير واضحة أو مؤكَّدَة، كما أن تكاليفها و خسارتها كبيرة جداً. الصورة الثانية أدناه توضح خصائص صناعة القرار و الحالات الثلاثة له (تأكد، مخاطرة، عدم تأكد)، إضافة إلى احتمالية فشل القرارات بناء على تلك الخصائص و الحالات

هناك ثلاث خصائص لصناعة القرار، يتم على أساسها تحديد حالات صناعة القرار من تأكد و مخاطرة و عدم تأكُّد
خصائص و حالات صناعة القرار

كيف تم الأمر

عام 1928، بدأ العمل في المشروع. كان هنري فورد لا يرغب فقط بمسألة المطاط كنشاط تجاري رأسمالي، و إنما كان يرغب في استنساخ النمط و الطبيعة و الحياة و الثقافة الأمريكية في تلك البقعة من الأرض، في الأمازون، بحيث يُحدِث نهضة ثقافة و مجتمعية راقية هناك. كان هناك ترحيباً من الحكومة و الشعب في البرازيل بهذه الخطوة، و منحته الحكومة تلك الأراضي بشكل مجاني مقابل نسب من الأرباح و غيرها من الشروط. تم تأهيل المنطقة بكل مقومات الحياة المدنية من الناحية الإنشائية و البشرية. تم شق الطرق و تجهيز منظومات الطاقة الكهربائية و مضخات المياه و منظومة الصرف الصحي و بناء المصانع و المستودعات و المنازل و المدارس و المستشفيات و تجهيز المزارع و إنشاء أماكن للترفيه من دور سينما و أندية و ملاعب، كالجولف و كرة القدم و غيرها. و تم تجهيز أفضل و أكفأ الكوادر لإدارة و تشغيل تلك المنشئات.

مشروع مدينة فورد و فوردلانديا كان من أعظم المشاريع في التاريخ بمنطقة الأمازون بالبرازيل
مشروع مدينة فورد بمدينة فوردلانديا

و فيما يتعلق بزراعة و إنتاج المطاط، تمت الاستعانة بشكل كبير بالطواقم الأجنبية الأمريكية، خاصة في الإدارة و الإشراف. و كانت هناك طواقم محلية كذلك. و كانت الرواتب و الامتيازات و ظروف العمل الأعلى و الأفضل في تلك الحقبة. كما أن نمط و أسلوب العمل كان مجهز بالطريقة الأمريكية. على سبيل المثال، كانت ساعات العمل متواصلة من السادسة صباحاً و حتى الثالثة عصراً، و هذا أمر غير مُفَضَّل للطواقم المحلية التي ترغب بالعمل قبل الشروق و بعد الغروب لتجنُّب الشمس و الحرارة لتلك المنطقة المدارية. إضافة إلى ذلك، كان الطعام المُجَهَّز ذو طابع أمريكي، خاصة الغذاء الصحي مثل الشعير و غيره، و الذي كان هنري فورد يؤمن بأهميته. و هذا أمر أيضاً لم يكن رائقاً للطواقم المحلية.

الصعوبات و المشاكل الطبيعية و البشرية في مشروع هنري فورد و فوردلانديا

من ناحية الطبيعة، و بالرغم من أن أرض الأمازون مُهَيَّأَة لزراعة المطاط، إلا أن هنري فورد ارتكب خطاً في عدم الاستعانة بكوادر محلية للإشراف على زراعة اللبان و المطاط. بالتالي، تلك التربة الخصبة تم جرفها بسبب السيول و الأمطار نظراً لعدم وجود المدرجات الزراعية اللازمة لحبس السيول. إضافة إلى ذلك، تلك المنطقة كان يعيبها وجود الكثير من الفطريات و الحشرات و القوارض التي تهلك الزرع و الشجر، خاصة شجر اللبان. و يكون تأثيرها أشد ضراوة حين يتم زراعة تلك الأشجار بشكل متقارب و عدم إبقاء مسافة بينها، و هو ما تم بالفعل. و من الناحية البشرية و الثقافية، لم تتمكن الطواقم الأجنبية و عائلاتها من تحمُّل تلك الظروف المدارية الصعبة، خاصة انتشار البعوض و الأوبئة، حيث قتلت الملاريا بعضاً من تلك الطواقم. هذا، طبعاً، بالرغم من وجود إجراءات التحصين و الحماية و الرعاية الصحية. أما بالنسبة للطواقم المحلية، فلم تنسجم مع الطابع و النسق الإمريكي في العمل و الحياة، كما وضحنا سابقاً. و هذا أدى إلى موجات من التذمر و السخط، بل و العصيان في بعض الأحيان.

انتشار الأوبئة و البعوض كانت من أبرز صعوبات هنري فورد و فوردلانديا
انتشار البعوض و الأوبئة كان من أبرز الصعوبات لمشروع فوردلانديا

محاولة للإصلاح

في عام 1933، حدثت محاولة للإصلاح في مشروع هنري فورد و فوردلانديا، حيث تخلَّى الرجل عن بعض من تصميمه و إصراره حين أشار عليه بعض الخبراء باستيراد بذور المطاط من منطقة الشرق الأقصى و زراعتها في الأمازون. بالتالي، عمل الرجل بهذا المقترح، و أنشأ مدينة جديدة على بعد ثمانين ميلاً من فوردلانديا، و هي مدينة (بيلتيرا)، و قام بتجهيزها بما يلزم من المنشآت المادية و البشرية. و أبقى على المدينة الأصل (فوردلانديا)، إلا أنه خفف من طواقمها و ميزانيتها. إضافة إلى ذلك، خفف هنري فورد من إجراءات النمط و الحياة الأمريكية في العمل و المعيشة على العمال، خاصة المحليين، مما أنشأ حالة من الرضى الوظيفي و تجنُّب المشاكل و الصدامات

كمحاولة لإصلاح مشروع هنري فورد و فوردلانديا، تم إنشاء مدينة بيلتيرا على بعد 80 ميل من فوردلانديا، حيث يتم جلب البذور من الشرق الأقصى و زراعتها في المدينة

مدينة بيلتيرا، على بعد 80 ميلاً من فوردلانديا

حازت المحاولة على شيء من النجاح النسبي. بعد عشر سنوات من الكفاح، تم الحصول على أول منتوج من المطاط بمقدار 750 طن و ذلك في عام 1942. إلا أن المحصول كان أقل بكثير من المطلوب إنتاجه سنوياً و هو 38 ألف طن. إلا أن فورد استمر في الإنتاج، مستفيداً من ظروف الحرب العالمية الثانية (1939 إلى 1945) و التي تسببت في منع إمدادات المطاط إلى الولايات المتحدة من الشرق الأقصى، مما أدى إلى اعتماد البلد على مشروع فورد في إمدادات المطاط. كما أنه كانت هناك مؤشرات أن المشروع يمكن أن يصل في الإنتاج إلى الحد المطلوب (38 ألف طن) بحلول العام 1950، أي بعد مرور ثمان سنوات.

نهاية رحلة التصميم و الإصرار لمشروع هنري فورد و فوردلانديا

رغم النجاح النسبي لتلك المحاولة، إلا أن هناك مشاكل قديمة و أخرى مستَجَدَّة ظهرت في المشروع. عادت مشاكل الفطريات و الحشرات السامة مرة أخرى، رغم وجود محاولات حثيثة لمكافحتها. إضافة إلى ذلك، تسببت نهاية الحرب العالمية الثانية (2 سبتمبر 1945) في إعادة انفتاح أسواق الشرق الأقصى للمطاط من جديد على الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك، كانت هناك توجُّهاً اقتصادياً عالمياً نحو المطاط الصناعي كبديل أكثر جدوى و اقتصادية من المطاط الطبيعي. بالتالي، انتهت رحلة التصميم و الإصرار لمشروع هنري فورد و فوردلانديا بانتهاء هذا المشروع و إعادة بيع الأراضي للحكومة البرازيلية بثمن بخس (حوالي ربع مليون دولار) و بخسارة كبيرة. و بالتالي، تصير فوردلانديا أحد أهم المدن المهجورة في التاريخ

تظل بقايا و أطلال مدينة فوردلانديا موجودة إلى الآن، لتصير أحد أهم المدن المهجورة او الضائعة في التاريخ
مدينة فوردلانديا أحد أهم المدن المهجورة في التاريخ

هذه القصة تعلَّمنا أن حالة عدم التأكد في صناعة القرار هي الأكثر منطقية في الواقع، حيث أنه يصعب، حتى مع جمع المعلومات الوافية و توقُّع مخرجات البدائل، أن نكون واثقين تماماً من تلك المخرجات. فقد تحدث في أي لحظة أمور طارئة و مستجدة لم يُحسَب لها حساب. و الدليل أن هنري فورد، بالرغم من وجود المؤشرات الإيجابية بوصول الإنتاج إلى الرقم المطلوب (38 ألف طن) بحلول العام 1950، إلا أن ظروف نهاية الحرب العالمية و التوجه الجديد نحو المطاط الصناعي جعله ينهي هذا المشروع تماماً. إضافة إلى ذلك، نتعلم أن التصميم و الإصرار لا يعني دائماً الوصول إلى النجاح. و إنما يجب، إلى جانب التصميم و الإصرار، أن يكون هناك دراسات و استشارات للمختصين و المشاركة في صناعة القرار و الأداء و الانتباه إلى مختلف السيناريوهات و الاحتمالات و تطبيق إجراءات الرقابة و التحكم اللازمة و قياس الأداء، و الاعتراف بخطأ قراراتنا و التراجع عنها فور تأكدنا من ذلك. و لا ننسى بالتأكيد التوكل دائماً على الله عز و جل، و الذي يأتي مصحوباً باتخاذ الأسباب اللازمة

هذا ما لدينا، أصدقائي، لهذا اليوم. شكراً جزيلاً على المتابعة و الدعم. اللقاء العربي القادم سيكون مميزاً بإذن الله، حيث نناقش ختام العام الأول للقناة بنجاح و تميز، حيث أن الذكرى السنوية الأولى لإنشاء القناة في 3 أغسطس و ذكرى إنتاج و نشر أول فيديو (تعريف و ترويج القناة) في 13 أغسطس. و أذكِّر أنه لا زلنا إلى الآن نمضي بقوة في تحقيق شروط يوتيوب لربحية القناة الخاص بتحقيق 4000 ساعة مشاهدة حقيقة، حيث ينقصنا حوالي 400 ساعة. و يجب أن ننتهي من هذا الشرط قبل حلول الذكرى السنوية الأولى للقناة في الثالث من أغسطس المقبل، حسب ما ناقشنا في لقاء الاحتفال بألف مشترك. لذا، نرجو من الجميع المساهمة معنا بقوة في دعمنا بالمشاهدة و النشر لاستيفاء هذا الشرط. اشتركوا بالقناة في اليوتيوب و فعلوا جرس التنبيهات هناك. شاهدونا و اتبعونا و تفاعلوا معنا و ادعمونا بالتعليقات و اللايكات و انشروا القناة على أوسع نطاق لجميع منصات تواصلنا الإلكترونية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *